صديق الحسيني القنوجي البخاري
90
فتح البيان في مقاصد القرآن
في جنبه وفي جانبه يريدون في حقه ، وهذا من باب الكناية قال ابن عباس في الآية أخبر اللّه ما العباد قائلون قبل أن يقولوا وعلمهم قبل أن يعلموا . وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ أي وما كنت إلا من المستهزئين بدين اللّه في الدنيا ، وبكتابه وبرسوله وبالمؤمنين قال قتادة : لم يكفه أن ضيع طاعة اللّه حتى سخر من أهلها ، والجملة حالية ، أي فرطت وأنا ساخر . أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أي لو أن اللّه أرشدني إلى دينه لكنت ممن يتقي الشرك والمعاصي وهذا من جملة ما يحتج به المشركون من الحجج الزائفة ، ويتعللون به من العلل الباطلة كما في قوله : سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا [ الأنعام : 148 ] فهي كلمة حق يريدون بها باطلا . قال أبو المنصور : هذا الكافر أعرف بهداية اللّه من المعتزلة ، وكذا أولئك الكفرة الذين قالوا لأتباعهم لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ [ إبراهيم : 21 ] ولكن علم منا اختيار الضلالة والغواية فخذلنا ولم يوفقنا ، والمعتزلة يقولون : بل هداهم وأعطاهم التوفيق ، لكنهم لم يهتدوا ثم ذكر سبحانه مقالة أخرى مما قالوه فقال : أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ والتعبير بأو للدلالة على أن النفس لا تخلو عن هذه الأقوال تحسرا وتحيرا وتعللا بما لا طائل تحته ، فأو للتنويع لما تقوله النفس في ذلك اليوم ، ويصح أن تكون مانعة خلو فتجوز الجمع لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً أي رجعة إلى الدنيا فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ المؤمنين باللّه الموحدين له ، المحسنين في أعمالهم ، ثم ذكر سبحانه جوابه على هذه النفس المتمنية المتعللة بغير علة فقال : بَلى أي فيقال له من قبل اللّه : بلى الخ كأنه قال : ما هداني اللّه فيقال بلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي مرشدة لك ، والمراد بالآيات هي الآيات التنزيلية وهو القرآن فَكَذَّبْتَ بِها وهو قوله : إنها ليست من عند اللّه وَاسْتَكْبَرْتَ أي تكبرت عن الإيمان بها وَكُنْتَ مع ذلك التكذيب والاستكبار مِنَ الْكافِرِينَ باللّه . وجاء سبحانه بخطاب المذكر في قوله جاءتك وكذبت ، واستكبرت ، وكنت لأن النفس تطلق على المذكر والمؤنت . قال المبرد : تقول العرب نفس واحد أي إنسان واحد ، أو التذكير باعتبار كونها شخصا كافرا قرأ الجمهور بفتح التاء في هذه المواضع ، وقرىء بكسرها في جميعها وهي قراءة أمير المؤمنين أبي بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنه ، وبنته عائشة ، وأم سلمة ، ورويت عن ابن كثير . [ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 60 إلى 65 ] وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ ( 60 ) وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 61 ) اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ( 62 ) لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 63 ) قُلْ أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ ( 64 ) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 65 )